مجمع البحوث الاسلامية

150

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على الدّنيا وانهماكهم في الشّهوات ، هو السّبب في استغراقهم في التّمتّع ، وانصراف هممهم إلى الاشتغال بالأسباب ، وهو السّبب لنسيانهم الذّكر ، والعدول عن التّوحيد إلى الشّرك ؛ فتبيّن بذلك أنّ قوله : وَكانُوا قَوْماً بُوراً من تمام الجواب . وأمّا من جعل الجملة اعتراضا تذييليّا مقرّرا لمضمون ما قبله ، واستفاد منه أنّ السّبب الأصليّ في ضلالهم أنّهم كانوا بحسب ذواتهم أشقياء هالكين ، وليس ذلك إلّا بقضاء حتم منه تعالى في سابق علمه ، فهو المضلّ لهم حقيقة ، وإنّما نسب إلى أنفسهم أدبا . ففيه أوّلا : إنّه إفساد لمعنى الآية ؛ إذ لا موجب حينئذ لإيراد الاستدراك ، بقوله : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ لكونه فضلا لا حاجة إليه . وثانيا : أنّ نسبة البوار والشّقاء إلى ذوات الأشياء ينافي ما أطبق عليه العقلاء بفطرتهم ، من تأثير التّعليم والتّربية ، والحسّ والتّجربة يؤيّدان ذلك ، وهو يناقض القول بالاختيار والجبر معا . أمّا مناقضة القول بالاختيار فظاهر ، وأمّا مناقضة القول بالجبر ، فلأنّ الجبريّ يقصر العلّيّة في الواجب تعالى وينفيه عن غيره ، ويناقضه نسبة الاقتضاء الضّروريّ إلى ذوات الأشياء وماهيّاتها . وثالثا : أنّ فيه خلطا في معنى القضاء من حيث متعلّقه ، فكون القضاء حتما لا يوجب خروج الفعل الّذي تعلّق به من الاختيار إلى الإجبار ، فإنّ القضاء إنّما تعلّق بالفعل بحدوده ، وهو صدوره عن اختيار الفاعل من حيث إنّه صادر عن اختياره ، فتعلّقه يوجب تأكّد كونه اختياريّا ، لا أنّه يزيل عنه وصف الاختيار . ورابعا : أنّ قولهم : إنّ المضلّ بالحقيقة هو اللّه ، وإنّما نسبوا الضّلال إلى الكفّار أنفسهم تأدّبا . وبمثله صرّحوا في نسبة المعاصي والأعمال القبيحة الشّنيعة والفجائع الفظيعة إلى فواعلها ، أنّها في عين أنّها من أفعاله تعالى إنّما تنسب إلى غيره تأدّبا ، كلام متهافت ، فإنّ الأدب - كما تقدّم تفصيل القول فيه في الجزء السّادس من الكتاب - هو الهيئة الحسنة الّتي ينبغي أن يقع عليها فعل مّا ، وبعبارة أخرى ظرافة الفعل ؛ وإذ كان الحقّ الصّريح في الفعل غير الجميل أنّه فعل اللّه سبحانه ولا يشاركه في فعله غيره بأيّ وجه فرض ، كانت نسبته إلى غيره تعالى نسبة باطلة غير حقّ ، وكذبا وفرية لا تطابق الواقع . فليت شعري أيّ أدب جميل في إماطة حقّ صريح وإحياء باطل ؟ وأيّ ظرافة ولطف في الكذب والفرية بإسناد الفعل إلى غير فاعله ؟ واللّه سبحانه أجلّ من أن يعظم بباطل أو بالسّتر على بعض أفعاله ، أو بالكذب والفرية بإسناد بعض ما يفعله إلى غيره ؛ وإذ كان جميلا لا يفعل إلّا الجميل ، فما معنى التّأدّب بنفي بعض أفعاله عنه ؟ ( 15 : 191 ) بنت الشّاطئ : وسأل نافع عن قوله تعالى : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً فقال ابن عبّاس : هلكى ، بلغة عمان ، وهم من اليمن . [ ثمّ استشهد بشعر ] الكلمة من آية الفتح : 12 ، في المخلّفين من الأعراب : [ ثمّ ذكرت الآيات الآتية في الاستعمال القرآنيّ وقالت : ] تفسير ( بور ) بهلكى قريب ، والقول إنّها بلغة عمان ، يسوّغ التّرادف . ثمّ لا يفوتنا ما في دلالة مادّتها على